توفيق أبو علم

21

السيدة نفيسة رضي الله عنها

لايسلكوا سلوكاً يؤثّر على مسير الدولة الفتية ، وينقص من مكانتها وهيبتها بين الناس وهي في بداية حياتها الجديد . لقد جسّدوا فعلًا بصورة عملية ، هذه الأخلاق الرفيعة في سيرة حسنة ، بعد ما تركوا جميع الخيارات الأخرى ، ولم يلتزموا موقفاً تجاه هذا الحدث أو ذاك من شأنه أن يمزّق وحدة المسلمين وإضعاف الدولة الفتية ، ولم يسلكوا طريقاً يعرّض فيه الدين والملّة إلى خطر ولو يسيراً . وهم بذلك يثبتون الخطوات الأولى للحركة التقريبية الوحدوية في الإسلام . مواقف خالدة : إنّ المواقف التي سجّلها لهم التاريخ بمجموعها تدلّ على أخلاق أهل البيت عليهم السلام وتجرّدهم الكامل عن الذات ، وذوبانهم التام في المصلحة الاسلامية ، وهذا النهج لا يمكن أن يلتزمه إلّامن هو على امتداد حركة النبوة وفي خطّها ومسيرها . فالتاريخ يروي لنا مواقف عديدة اتّخذها الأنبياء لمّا وُجهوا بالمعارضة من الكافرين وأبناء قومهم ، وكان بإمكانهم القيام بالمقاومة المسلّحة واتخاذ طريق القوّة ، إلّاأنّ ذلك كان خلاف المصلحة القاضية بحفظ الدين ووجوب استمراره ، وأخرى عُرِضت لهم كنوز الأرض وأموالها على ترك الدعوة لهذا الدين ، فرفضوا العرض من أساسه ، وصبروا على الأذى والحرمان حتّى تمّ انتصار الدين في الأرض . وظلّ هذا الامتداد الإلهي مستمراً ، ولم ينقطع في جريانه باتجاه الامام عبر الأزمان والأعصار ، من خلال حركة أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله آخر الأنبياء وخاتم المرسلين . فمن عليّ عليه السلام إلى ابنه الحسن الزكي عليه السلام الذي تنازل عن كلّ ما معه من الملك والسلطان والعزّ والخلافة ، لا شيء إلّاليحافظ على وجود الرسالة واستمرارها على الأرض ، ويمنع من سفك المزيد من الدماء فتذهب الثلّة المؤمنة عن وجه البسيطة ، فينعدم بذلك الخير والأمان والنسل الخيّر ، فآثر الصلح لأنّه ينسجم مع توجّهات المصلحة الاسلامية والامتداد في الحركة النبوية المقدّسة ، وهو ما يصرّح به عليه السلام إذ يقول : « إنّي خشيت أن يجتثّ المسلمون عن وجه الأرض ، فأردت أن يكون للدين ناعٍ . . . » . وهكذا استمرّت الحركة في مسيرها في أخيه الحسين بن علي عليه السلام الذي قدّم نفسه